فخر الدين الرازي
6
تفسير الرازي
الكلام ، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال : شغلت بضرب علماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته ، فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان ، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى : * ( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ) * ( الصافات : 146 ) مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً ، قال المبرد : وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة يقال : رأيت فلاناً في شجرته الرماح . وقال تعالى : * ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * ( النساء : 65 ) وتشاجر الرجلان في أمر كذا . المسألة التاسعة : اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى : * ( فتكونا من الظالمين ) * هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير ، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره ، فظلم النفس أعم وأعظم . ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال : الأول : قول الحشوية الذين قالوا : إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً ، الثاني : قوله المعتزلة الذين قالوا : إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان : أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي ، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه ، الثالث : قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله . ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة ، فإنه يقال له : يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟ فإن قيل : هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ؟ والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم . * ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطاَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) * قال صاحب الكشاف : * ( فأزلهما الشيطان عنها ) * تحقيقه ، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة * ( عن ) * في هذه الآية كهي في قوله تعالى : * ( وما فعلته عن أمري ) * ( الكهف : 82 ) قال القفال رحمه الله : هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء ، فيزل عنه ويصير متحولاً عن ذلك الموضع ، ومن قرأ * ( فأزالهما ) * فهو من الزوال عن المكان ، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا